المقالات
من أجل مستقبل ليبيا (2)  

 

تناولت في الجزء الأول من هذا المقال الثوابت المهمة التي يجب علينا- نحن الليبيين- أن نسعى إلى صياغتها من دستور ينظم حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكذلك الضمانات الأخرى من حرية الرأي والحفاظ على كرامة الإنسان داخل وطنه.

إذا استطعنا أن نتجاوز ذلك بنجاح ونصل إليه بشكل ديمقراطي فعال، وبعيد عن كل الشوائب التي قد تظهر في مثل هذه الحالات، ونستخدم في قيامنا بهذه النقلة الأسس والأساليب التشاورية ونأخذ رأي كل أفراد المجتمع وأطيافه بحرية ومصداقية، فإننا بذلك نكون قد استطعنا أن نطمئن على مستقبل أجيالنا القادمة؛ لأن الثوابت والقواعد والأسس في حياة الشعوب هي المد الحقيقي لاستمرار تعايش كافة أطياف أي مجتمع، وهي التي تسهِّل وتقنن وتنظِّم كيفية إدارة البلاد من الرئاسة إلى "الخفارة".

ولعلى قبل أن استطرد في الجزء الثاني من المقال تبادر إلى ذهني حادثة مهمة أردت أن أسوقها وأتناولها لأنها دليل وبرهان بان وجود الثوابت يؤدى إلى خلق الوعاء الديمقراطي المشبع بالحرية الكاملة الغير ناقصة مما يمكن الشعب في اى مجتمع من المجتمعات أن يحافظ على هذه الثوابت ولا يخاف من التصدي لاى انحراف قد يؤدى به إلى التراجع عن هذه المكتسبات .

وروايتي تتعلق بخبر يخص المجتمع الفرنسي رائد الحرية الانسانيه في التاريخ العالمي المعاصر حيث حدث في الأشهر الماضية غضب شعبي بسبب تزكية ( جان سركوزى ) 23 عاما ابن الرئيس الفرنسي ساركوزى ليكون رئيسا لإدارة حي لا دى فانس الباريسي المعروف  ومن مظاهر الغضب ما قام به نواب الشعب من تصريحات غاضبة حول هذا العمل الذي لا يليق بالتطور التاريخي للديمقراطية الفرنسية وتناولت أيضا صحيفة لوبون الفرنسية الشهيرة وغيرها من الصحف و المجلات مواقف متشددة ضد هذا الترشح وتعززت موجة الانتقادات بإطلاق عريضة على الانترنت جمعت عشرات ألاف من التوقيعات طلبت من جان ساركوزى إنهاء دراسته أولا حيث انه فى السنة الثانية ((حقوق)) وان يتدرب بعد ذلك على امور تقنيات التسيير الادارى ويتدرج فى المهام الاداريه ليكتسب الخبرة والدراية والمعرفة ...ووصلت الحملة الى القول صراحة للرئيس بانك تريد ان توجد لنا ساركوزى الثاني متهمة إياه انه يحاول خلق جمهوريه ملكيه وتعيين خليفة له على العرش يبداء بإعداده من الان وحاول جان سركوزى ان يدافع من جهته على نفسه ويقول هل انا لست مواطن فرنسى هل اقتران لقبي بأبى كرئيس للجمهورية يحجب عنى حق الترشح فى إدارة احد الإحياء الفرنسية ورضوخا للثوابت ورضوخا لحرية الراى والتعبير ورضوخا لإرادة الشعب الحر تخلى الابن عن الترشح لرئاسة الحي وعدل عن رأيه ورشح نفسه عضوا للحى عن فئة شباب الحي واختير فعلا عضوا بالانتخاب الحر الديمقراطي من قبل أصحاب الحق في التصويت من سكان الحي ؟؟ أوردت هذا الحدث لكي نعلم علم اليقين أن ترسيخ القواعد والثوابت وخلق الحرية بين أطياف المجتمع المختلفة هي الضمان الوحيد لاستمرارية الحياة الكريمة لاى شعب من الشعوب .

 وعودة إلى موضوعنا سيكون أمامنا معضلة مهمة جدًّا وهي اختيار القيادات في المجالين التشريعي والتنفيذي المحلي والمركزي التي يجب أن يكون لها ولاء كامل للوطن ولناسه بحق ومصداقية، وليس شكل من أشكال التقرُّب الزائف والكلام المعسول والفعل المعكوس. وإن بحثنا سنجد حتمًا الكثير ممن يؤمنون بخدمة الناس، وهؤلاء دائمًا تجدهم في كل مجتمع، وهناك نصوص قرآنية تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يوجد لنا هذه النوعية من البشر المخلصين والمحبين والمتسابقين لفعل الخير وخدمة ناسهم، {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}، فيكونهم المولى عز وجل تكوينًا يجعل سعادتهم مرهونة بما يقدمونه من خدمات لبني وطنهم، إضافة إلى منحهم الحكمة والدراية وحسن التصرف وحب التحصيل العلمي؛ ليصبحوا متمكنين في فروع التخصصات الحيوية المختلفة.

وأؤكد هنا على ضرورة الاهتمام بالكيفية التي يتم بها اختيار التنفيذيين على المستوى المحلي في المدن والقرى، وأيضًا على المستوى المركزي تنفيذًا وتخطيطًا من أجل التيقُّن من جودة من يقومون بقيادة العمل التنفيذي للبلاد.

يجب أن نبحث عن هؤلاء بدقة ونتحسس مواقعهم ونقربهم ونزودهم بأحدث البيانات والوسائل من خلال مركز متخصص يتولى تجميع بيانات عن القيادات في كافة المجالات ويوثق بياناتهم ويتواصل معهم وينظم بشكل دائم ومستمر البرامج التطويرية والتكوينية لإعداد القادة.

إن الدقة في عمليات الاختيار تتطلب البعد عن الجهوية والقبلية والإقليمية الضيقة والواسطة والمحسوبية والشللية، كما أن انتهاجنا الأسلوب الموضوعي العلمي في الاختيارات ستمكن هذا المركز من تقديم كافة البيانات المطلوبة عن هؤلاء القياديين الوطنيين للمؤسسات الدستورية عند دفعها بالعناصر التنفيذية القيادية المحلية والمركزية.

إن اختيار التنفيذيين بهذه الصورة النمطية الشفافة، في ظل الثوابت الموضحة للسياسات العامة بكافة تفرعاتها- إنما هو تغيير فى الشكل والمضمون فيما يقدم من خدمات للناس من تعليم وصحة وأمن وأحوال مدنية ومرافق وإدارة قضائية صادقة وغير روتينية تعطي لصاحب الحق حقه، ولا يشعر المواطن بالخوف عند الالتجاء إليها، بل يكون واثقًا من حُسن أدائها وعدالتها.

والشيء الأخير الذي يجدر الإشارة إليه فى توجهنا المستقبلي هو محاربة الفساد واجتثاث جذوره؛ فمن العيب أن تكون ليبيا في ذيل قائمة الدولة المتفشي فيها الفساد وفقًا لتقرير المنظمة الدوليه للشفافية عام 2009، فعلينا أن نخوض بثوابتنا الجديدة وبإدارتنا الجديدة معركة حقيقيه لا هوادة فيها ضد كبار الفاسدين أولا قبل صغارهم؛ لأن القضاء على الكبار سيجعل الصغار ينكمشون تلقائيًا.

وعلينا أيضًا أن نتصدى للوساطة والمحسوبية والرشاوي وأن نقف ضد التمييز والتزوير في كل مواقع الإدارة في البلاد، وأن نضع أرقام هواتف سهلة للإبلاغ عن هذه الحالات، وأن نعطى لجهاز مكافحة الفساد كل الصلاحيات القانونية ليتمكن من اتخاذ ما يلزم، وأن نختار لهذا الجهاز أفراد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ويتبعون سنة الرسول في مكافحة الفساد.

ولعل من المفيذ جدًّا في هذا المقام أن نحذر من الحُذّاق والملتفين الذين عانينا منهم الكثير والكثير في الأربعين عامًا الماضية، وبأت وجود شبيه لهم متوقعًا في كل عصر، حيث إنهم قادرون على التغيّر والتلون الحرباوى، فيلتفون على برنامج ليبيا الغد وكل ما نرجوه أن لا تطول بنا الأمور ولا نستبقظ لأمثالهم إلا بعد فوات الأوان، فاكتشافهم ليس بالصعب؛ لأن لديهم منهجًا وأسلوبًا واحدًا، وإن اختلفت أشكال وجوههم، هؤلاء الذين يدّعون الإصلاح ويسمون أنفسهم "الإصلاحيين" من أجل تحقيق مكاسب ذاتية وأنا هنا فى تحذيرى هذا لا اقصد التعميم فيه ولكنى انبه لضرورة الانتباه للبعض الذى تنطبق عليهم السطور الاخيرة من هذا المقال ...حفظ الله بلادنا الحبيبه من كل سوء والهم ناسها طريق الخير والصواب.

مواضيع مرتبطة
» تدنى الثقافة المدنية فى المجتمعات العربية
» الرؤية الإسلامية للتكافل الإجتماعى
» صـــور يــا زمـــان
» اشكاليات الإصلاح الديمقراطى فى الوطن العربى
» الثقافة العربية إلى أين
» المنظور الاسلامى للتنمية الاقتصاديه (3)
» هشاشة المجتمع المدنى العربى
» قراءات فى النفاق الإجتماعى
 
التعليقات  
عدد المشاركات 1
التاريخ
2010/06/14 12:03:54 AM
الاسم
م.عبد الكريم عبدالمقصود الفاخرى
عنوان التعليق
كلام اجواد صحيح
المشاركة يصح السانك يا بو اقويدر الله لا يهنتشك ويدوم عز ليبيا باارجالها

ادخل المشاركة
الاسم
عنوان التعليق
المشاركة
 


الاربعاء 08/09/2010

وقفات قبل منحدر ((اتحاد الدول العربية!))
تقرير موجز حول «القانون رقم 12 لعام 2010 بشأن علاقات العمل » (3)
تقرير موجز حول "القانون رقم 12 لعام 2010 بشأن علاقات العمل " (2)
تقرير موجز حول "القانون رقم 12 لعام 2010 بشأن علاقات العمل " (1)
التخلف البريدي
بيت الطاعة أم بيت الشموخ والحرية
العلمانية الإسلامية
النفاق
المزيد
العمرة فى رمضان.....هذا العام
الحقد والكراهية
سمة التواضع
سمة الاختلاف
الغضب
خربشة التخطيط
أوربا وحجاب المرأة
مترو دبى
المزيد
الإسم
الإيميل
جميع الحقوق محفوظة للموقع © 2008
مراجعة الدكتور ابراهيم قويدر
تصميم وبرمجة شمول