إن ما يدور في البلاد هذه الأيام من سجال بدأ منذ البوح بالرغبة في أن تكون هناك قيادة رسمية تترأس الدولة الليبية، فتعددت الآراء وتضاربت الأفكار، فأصحاب الاتجاه المعاكس لما يجري على الأرض الليبية تناولوا الموضوع في كتاباتهم وحواراتهم من خلال منظور التوريث، والبعض منهم ذهب إلى القول بأن الثورة لا تورَّث، وأن النظام الجمهوري أو "الجماهيري" لا يجوز فيه أن يكون مجالاً لأي شكل من أشكال التوريث أو التكليف المباشر بهذا الشكل، وبرزت مجموعة من التساؤلات صيغت في العديد من الكتابات، وأوجز منها القليل الأهم:
– ماهو دور أصحاب الشرعية الثورية "القيادة التاريخية" من هذا التوجه؟!
- القيادات الشعبية الاجتماعية هل هي ممثل حقيقي لكافة أطياف الشعب الليبي، ومن الذي اختار أعضاءها، وكيف تكوَّنت، وهل كان للشعب كلمته في تكوينها واختيار أعضائها؟!
- وإذا كانت هذه القيادات الشعبية الاجتماعية قد قدمت اقتراحًا حول من يكون رئيسًا لها، وبالتالي يكون المسئول الرسمي عن السلطة التشريعية والتنفذية في البلاد، فهل سيؤخذ رأي الشعب في ذلك بوضوح ومصداقية ونزاهة بعيدًا عن مسيرات المبايعة والتأييد التي يشوبها الكثير من علامات الاستفهام؟!
- وإذا كانت اللجان الثورية قد قالت أيضًا كلمتها، وهذا ليس بالغريب؛ لأن هذه اللجان ملتزمة بتوجيهات قائدها، فهل سيكون للمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية كلمتها في هذا الموضوع؟!
- وأخيرًا وليس آخرًا، هل سنبقى دائمًا نحتاج لمن يوجهنا ولآخرين يباركون، أم أنه قد آن الأوان ليكون لنا نظام مثل بقية خلق الله، نظام مستمد من شريعة الله "القرأن الكريم خاصة"؛ لأننا في دولة رفعت ولا تزال ترفع شعار أن القرآن شريعة المجتمع؟!
إن الفرض الديني والواجب الوطنى يلزمني أن أقول كلمة حق أساهم بها فيما يدور وما يجرى في ليبيا الحبيبة هذه الأيام، وما وراء مساهمتي المتواضعة هذه إلا النية الحسنة والمصداقية النقية لوجه الله تعالى، ولا أسعى من خلالها على شكر أو جزاء، إنها إيضاحات واجتهادات حتَّمها الحب الكبير لهؤلاء الذين يعانون من صعوبات الحياة؛ لذا أرى أنه قد آن الأوان لإعادة تنظيم الإدارة الليبية بصورة تمكِّن المواطن الليبي من أن يعيش حياة فيها كرامة وعزة وحرية، واحترام متبادل بين كافة فئات وأطياف المجتمع.
وبادئ ذي بدء، فنحن في حاجة ماسَّة لوضع ثوابت متينة لتنظيم الدولة وتنظيم حريات الأفراد حتى لا نبقى معرضين للمزاجية والتجارب التي كانت سببًا مباشرًا فيما وصلنا إليه من سوء أداء وتجاوزات.
فعلاً نحن في حاجة إلى دستور ينظم حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأقول دستور؛ لأن كل دول العالم وعلماء القانون تعارفوا على هذه التسمية، على أن يستمد دستورنا ركائزه الأساسية من شريعتنا السمحاء "القرأن والسنة المؤكدة" وعلى أن يعرض هذا المشروع الدستوري على كل الليبيين والليبيات؛ ليقولوا كلمتهم من خلال أخذ رأيهم بشكل توثيقي تكفل له الجهات المشرفة كل عوامل النزاهة والشفافية تحت رقابة دولية وإسلامية وعربية.
ولعل من ضرورات نجاح هذا العمل أن تقوم الرئاسة الجديدة بعرض مجموعة من أسماء خبرائنا في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية من كافة أطياف المجتمع الليبي وفئاته المختلفة كلجنة تأسيسية موسعة تضم أصحاب الرأي الموالي والرأي الآخر؛ لوضع وصياغة هذا الدستور وإعداده مستعينة بالمرجعيات القانونية السابقة، وبشريعتنا السمحاء، بما في ذلك دساتير ومواثيق ليبية سابقة، وتعقد حلقات حوار ونقاش في كافة وسائل الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، يتحاور فيها كافة المختصين، بالإضافة إلى تنظيمات المجتمع المدني والنقابات والروابط المهنية والقيادات الشعبية والمؤتمرات الشعبية؛ تمهيدًا لعرض المشروع في شكله النهائي على الناس جميعًا؛ لأخذ رأيهم فيه بشكل توثيقي منظم تكفل إدارته كل ضمانات النزاهة والرقابة المدنية الليبية والدولية.
نحن بصدق في أمسِّ الحاجة لهذا العمل التطويري التنظيمي الأساسي؛ لكي نوقف التخبط والتعنت بأي شكل من الأشكال، بعيدًا عن الرؤية العلمية الموضوعية الحديثة التي يعيشها العالم اليوم، ولعل ما يجب أن يتوازى مع ذلك مباشرة إطلاق حرية الرأي والتعبير بكافة الوسائل الممكنة، وأنا على يقين من أن ذلك سيسبب لنا في البداية بعض الاختراقات والتجاوزات والشطحات الإعلامية التي قد ترقى إلى الافتراءات، وهو أمر عارض وهذه هي ضريبة بداية ممارسة أي شعب لحرية الرأي والتعبير؛ ولكن مع مرور الزمن وبعد وضع النصوص والقواعد والمعايير لحرية الرأي في الدستور والقوانين المنظمة ستستقر الأمور وتتحدد معالم حرية الرأي بعدم المساس بحريات الآخرين، واحترام الرأي الآخر، وكفالة الرد.
حتمًا سيسير القطار على السكة بعد ذلك بصورة صحيحة، وسنكسب رقابة الشعب على نفسه وإدارته من خلال السلطة الرابعة "سلطة الرأي والنقد الهادف البناء"، ونبتعد عن عنتريات تكميم الأفواه واستدعاء أصحاب الرأي للتحقيق معهم إلا فيما يمس حريات الآخرين ويمس الصالح العام وفقًا لقواعد وإجراءات قانونية معروفة تنظم مثل هذه الحالات من المعلومات الخاطئة أو الافتراءات الكاذبة.
بالتالي سيتم القضاء على الممارسات غير الإنسانية التي تمس كرامة الإنسان من حيث التجاوزات في التصرف من قبل مأموري الضبط القضائي ضد أصحاب الرأي الآخر، وسنصون للإنسان العربي الليبي كبرياءه على أرضه وفي وطنه وبين أهله وناسه.
بطبيعة الحال هناك العديد من النقاط الأخرى التي تتعلق بحياة الناس جدير بنا في هذه المرحلة الانتقالية التي يعيشها مجتمعنا التذكير بها في الجزء الثاني من هذا المقال، إن شاء الله.